الفصل الثالث

منهج جمع القرآن

في عهد عثمان t ومزاياه

المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان t

المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث

المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان t

كان نسخ القرآن في المصاحف في زمن عثمان بن عفان t تحقيقًا لوعد الله U بحفظ كتابه العزيز، قال تعالى: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {،(1) فقد وحَّد هذا الجمع صف المسلمين وكلمتهم، وردَّ عنهم ما كان محدقًا بِهم من الفتنة العظيمة، واجتث بذور الشقاق من بينهم.

ومِمَّا سبق ذكره من خطة عمل الصحابة في جمع القرآن زمن عثمان يتبين لنا مزايا ذلك الجمع المبارك،(2) ويمكن تلخيص بعضها فيما يأتي:

  1. مشاركة جميع من شهد الجمع من الصحابة فيه، وإشراف الخليفة عليه بنفسه.

  2. بلوغ من شهد هذا الجمع وأقرّه عدد التواتر.

  3. الاقتصار على ما ثبت بالتواتر، دون ما كانت روايته آحادًا.

  4. إهمال ما نسخت تلاوته، وما لم يستقرَّ في العرضة الأخيرة.(3)

  5. ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن، بخلاف صحف أبي بكر t، فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.

  6. كتابة عدد من المصاحف يجمع وجوه القراءات المختلفة التي نزل بِها القرآن الكريم.

  7. تجريد هذه المصاحف من كل ما ليس من القرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة من تفسير للفظ، أو بيان لناسخ أو منسوخ، أو نحو ذلك.

ولقد حظي الجمع العثماني برضى من شهده من أصحاب النَّبِيّ r والتابعين، وقطع الله به دابر الفتنة التي كادت تشتعل في بلاد المسلمين، إذ جمعهم t على ما ثبتت قرآنيته، فانتهى بذلك ما كان حاصلاً من الاختلاف بين المسلمين.

عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان t المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(4)

وقد عُدَّ جمعُ القرآن في المصاحف في زمن عثمان t من أعظم مناقبه.

فعن عبد الرحمن بن مهديٍّ(5) قال: خصلتان لعثمان بن عفَّانَ ليستا لأبي بكر، ولا لِعُمَرَ: صبرُهُ نفسَه حتَّى قُتِل مظلومًا، وجمعُهُ الناسَ على المصحف.(6)

وقد دافع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t عن عثمان في جمع القرآن وإحراق المصاحف؛ لئلا يتهمه من لا فقه له بتضييع القرآن، أو الجرأة عليه، وأخبر أنه فعل ذلك عن رضى من شهده من الصحابة، وأنه لو كان واليًا إذ ذاك لفعل مثل الذي فعل عثمان t.

عن سويد بن غفلة قال: سمعت عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقول: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا قال: قال عليُّ: والله لو وليت لفعَلْتُ مثلَ الذي فَعَلَ.(7)

المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث

نستطيع بعد هذا العرض أن نتبين الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث، فقد كان لكل مرة من مرات جمع القرآن أسباب خاصة، وكان لكل مرة أيضًا كيفية خاصة، فالفرق بين المراحل الثلاث كان من حيث الأسباب والكيفيات:

الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الأسباب:

  1. أسباب جمع القرآن في عهد النَّبِيّ r: زيادة التوثق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه، وحفظ كلماته، وإن كان التعويل في ذلك الوقت إنما كان على الحفظ والاستظهار، وتبليغ الوحي على الوجه الأكمل.

  2. سبب جمع القرآن في زمن أبي بكر t: الخوف على ضياع شيء من القرآن بِهلاك حفَّاظه، وضياع ما عندهم مِمَّا كُتِب بين يدي النبي r.

  3. سبب جمع القرآن في عهد عثمان t: خوف الفتنة التي وقع فيها المسلمون بسبب اختلافهم في القراءة بحسب ما تعلموه من الأحرف التي نزل بِها القرآن، والمحافظة على كتاب الله من التبديل والتغيير.

الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الكيفية:

  1. كيفية جمع القرآن في عهد النَّبِيّ r: ترتيب الآيات في سورها، وكتابة الآيات فيما تيسر من مواد الكتابة، مع بعثرة ذلك المكتوب، وعدم جمعه في مكان واحد.

  2. كيفية جمع القرآن في زمن أبي بكر t: جمع المكتوب في عهد النَّبِيّ r ونقله في صحفٍ، وهي أوراق مجردة، مرتب الآيات أيضًا، وبحيث تجتمع كل سورة متتابعة في تلك الصحف، لكن من غير أن تجمع تلك الصحف في مجلد أو مصحفٍ واحد.

  3. كيفية جمع القرآن في عهد عثمان t: نقل ما في صحف أبي بكر في مصحف إمامٍ، ونسخ مصاحف منه، وإرسالها إلى الآفاق، لتكون مرجعًا للناس عند الاختلاف.(8)

قال البيهقي (بعد حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاع)ِ(9): وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي r، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحفٍ بإشارة أبي بكرٍ وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف(10) في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان t على ما رسم المصطفى r.ـ(11)

قال القاضي الباقلاني: لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيّ r، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنْزِيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد.(12)

وقال ابن حزم: خشي عثمان t أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم.(13)

(1) سورة الحجر آية 9.

(2) انظر مناهل العرفان (1/260-261).

(3) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 383.

(4) رواه الداني في المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.

(5) هو الإمام الكبير، والحافظ العلم: أبو سعيد العنبري، قال على بن المديني: ما رأيت أعلم منه. توفي سنة 198 هـ. انظر تقريب التهذيب (1/499)، وتذكرة الحفاظ (1/329).

(6) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19.

(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30، قال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).

(8) انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/171/172)، ومناهل العرفان في علوم القرآن (1/262-263)، والكواكب الدرية ص 26-27.

(9) رواه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن (5/734) ح 3954 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والبيهقي في دلائل النبوة (7/147).

(10) يعني في عهد أبي بكر.

(11) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/147-148).

(12) البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).

(13) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212-213).


الصفحة الأولى

قائمة المحتويات

البحث في جمع القرآن

مقدمة البحث

تمهيد : الجمع لغة وشرعًا

الباب الأول: جمع القرآن في العصر النبوي

الباب الثاني: جمع القرآن في عصر أبي بكر

الباب االثالث: جمع القرآن في عصر عثمان

الباب االرابع: جمع القرآن والأحرف السبعة

الباب الخامس: الجمع الصوتي للقرآن الكريم

الخاتمة: خلاصة البحث ونتائجه



السابق أعلى التالي