الفصل الثاني

مشروع كلية القرآن الكريم بالمدينة النبوية(1)

لجمع القرآن بالقراءات العشر

المبحث الأول: مشروع الجمع الصوتي للقراءات المتواترة

المبحث الثاني: خطة العمل في المشروع وتنفيذه

خطة العمل

   

تنفيذ المشروع

   

المبحث الثالث: تقويم المشروع

المبحث الأول: مشروع الجمع الصوتي للقراءات المتواترة

في عام 1402هـ تقريبًا طرحت كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية مشروعًا لتسجيل مصحف (واحد) بالقراءات العشر المتواترة، وكان المخطط لهذا المشروع أن يكون على ثلاث مراحل:(2)

  • المرحلة الأولى: تسجيل ختمة كاملة بالقراءات السبع بِمضمن الشاطبية.(3)

  • المرحلة الثانية: تسجيل ختمة كاملة بالقراءات العشر الصغرى (بِمضمن الشاطبية والدرة).(4)

  • المرحلة الثالثة: تسجيل ختمة كاملة بالقراءات العشر الكبرى (بِمضمن الطيبة والنشر).(5)

المبحث الثاني: خطة العمل في المشروع وتنفيذه

خطة العمل

كانت الخطة المقترحة للعمل في هذا المشروع على النحو الآتي:

  1. أن يتم هذا الجمع على ثلاث مراحل، كما سبق قريبًا، ويبدأ في ذلك بجمع القرآن بالقراءات السبع بِمضمن الشاطبية.

  2. أن يتم الجمع بين أوجه القراءات في التلاوة الواحدة، في المراحل الثلاث: السبع ثم العشر الصغرى، ثم العشر، وذلك على طريقة الجمع بالوقف.(6)

وجمع القرآن بالقراءات بطريقة الوقف هو أن يشرع القارئ بقراءة لأحد القراء، حتى ينتهي إلى وقفٍ يسوغ الابتداء بِما بعده فيقف، ثم يرجع إلى القارئ الذي بعده فيأتي بخلافه مع القارئ الأول، إلى الموضع الذي وقف فيه، ثم يفعل ذلك بقارئٍ قارئٍ، حتى تنتهي خلافاتُهم، ويبتدئ بما بعد ذلك الوقف، وهذه الطريقة يراد منها توفير الوقت عند عرض القراءات على الشيوخ، فينتهي القارئ من العرض في وقت أقل بكثير مِمَّا لو قرأ كل رواية على حدة.(7)

  1. أن يقوم أساتذة القراءات في الكلية المذكورة بالإشراف على عملية التسجيل وتوجيه القراء، وإلقاء بعض الشروح والتعليقات على القراءة.

  2. أن يُختار من طلابِ الكلية المتقنين من يقوم بالقراءة.(8)

تنفيذ المشروع

بدأت الكلية في تجارب المرحلة الأولى من المشروع، وهي تسجيل القرآن بالقراءات السبع بِمضمن الشاطبية، حيث سُجِّلت سورة البقرة في نحو مائة ساعة،(9) مع بعض الشروح والتوجيهات.(10)

وفي عام 1404هـ كانت الكلية قد انتهت من التسجيل من أول القرآن الكريم إلى آخر سورة النساء، فجاءت سورة البقرة في ستين ساعة، وسورة آل عمران في إحدى وثلاثين ساعة، وسورة النساء في ثمان وعشرين ساعة، كل ذلك بالقراءات السبع بِمضمن الشاطبية، وأذيعت هذه التسجيلات من إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية تحت عنوان: (دروس من القرآن الكريم).(11)

ثم استمرت الكلية في متابعة التسجيلات، وإلى الآن لم تنته تسجيلات المرحلة الأولى (تسجيل القراءات السبع بِمضمن الشاطبية)، وكان آخر عهدي بِهم في السنة التي تخرجت فيها من الكلية(12) أنَّهم كانوا قد وصلوا في تسجيلات المرحلة الأولى إلى أواخر سورة التوبة.

أما المرحلتان الثانية والثالثة ( وهما تسجيل القراءات العشر الصغرى والكبرى)، فلم تشرع الكلية فيهما إلى الآن. ولا يدرى هل ما زال في عزم إدارتِها متابعة المرحلتين الباقيتين من المشروع أم لا.

المبحث الثالث: تقويم المشروع

لا شك أن مشروع جمع القراءات في ختمة واحدة بذل فيه جهدٌ كبيرٌ، ولا ينكر عارفٌ ما فيه من الفائدة لدارسي القراءات، ولغيرهم من المسلمين، ولكن الناظر في طريقة ذلك الجمع، وما تم تسجيله منه يجزم بأن ذلك لا يعد جمعًا للقرآن بالقراءات بقدر ما قد يعتبر كتابًا في القراءات، على نحو ما صنف القدماء من تفصيل خلافات القراء، والفرق أن تصانيف القدماء كانت مكتوبة، وهذا الجمع مقروء مسموع، وفي ذلك فائدة عظيمة من جهة التطبيق والتدريب.

وقد رأينا فيما مرَّ(13) أنَّ الصحابة y أبَوْا أن يدرجوا في نسخة واحدة من المصحف أكثر من وجه من أوجه القراءة، فجاء عملهم هذا مُعَظِّمًا لتلك القراءات أن تكون إحداها أصلاً، والأخرى فرعًا، ولذا كتبوا مصاحفَ يختلف بعضها عن بعض في تلك الكلمات الخلافية التي لا يحتملها رسمٌ واحد.

وقد كره كثير من الأئمة خلط شيء مع القرآن، حتى لو كان وجوه القراءات.

قال الحليمي في وجوه تعظيم القرآن: ومنها أن لا يُخلَط في المصحف ما ليس من القرآن بالقرآن، كعدد الآيات، والسجدات، والعشرات، والوقوف، واختلاف القراءات، ومعاني الآيات.(14)

فالأجدر أن لا يطلق اسم المصحف إلا على ما كان مجردًا من غير القرآن، وما كان مفردًا لوجه واحد، أما ما كان فيه ذكر الخلاف، فهو أشبه بكتب التفسير وكتب القراءات.

كما أن التسجيلات التي تَمت لِهذا المشروع تحتوي ما ليس بقرآن، وهو توجيهات المشايخ للقراء، وشروحهم وتعليقاتُهم عليها، فجدير بِهذا العمل أن يعد من المصنفات التطبيقية في علم القراءات، أما أن يكون مصحفًا مجموعًا، فظاهر أن ذلك بعيد غير مقبول.

وقد عدَّ علماء القراءة الأولون جمع القراءة في التلاوة الواحدة مخالفة لما كان عليه حال سلف الأمة، واعتبروه كجمع أوجه الاختلاف في القراءة في المصحف الواحد، وهو ما منعه الصحابة y.

فقد كان من عادة الأئمة إفراد كل قارئ من القراء بِختمة، لا يخلط فيها قراءته بقراءة غيره، وكانوا يبالغون في تحرير الطرق والوجوه، حتى لو اقتضى ذلك الواحد منهم ملازمة شيخه دهرًا طويلاً، ومن ذلك أن الأستاذ أبا الحسن الحصري القيرواني قرأ القراءات السبع على شيخه أبي بكر القصري تسعين ختمة في عشر سنين، قال في قصيدته الرائية:(15)

وأذكر أشيــاخي الذين قرأتُها

 

عليهم فأبــدا بالإمـام أبي بكرِ

قرأتُ عليه السبـع تسعين ختمةً

 

بدأتُ ابن عشرٍ ثم أكملتُ في عشرِ

وقد استمر عمل المقرئين على ذلك زمنًا، ثم لما فترت همم الناس، واحتاجوا إلى سرعة العرض، ظهر الجمع بين القراءات في الختمة الواحدة.

قال ابن الجزري: وهذا الذي كان عليه الصدر الأول، ومن بعدهم، إلى أثناء المائة الخامسة، عصر الداني ابن شيطا والأهوازي والهذلي ومن بعدهم، فمن ذلك الوقت ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمر إلى زماننا، وكان بعض الأئمة يكره ذلك من حيث إنه لم تكن عادة السلف عليه، ولكن الذي استقر عليه العمل هو الأخذ به، والتقرير عليه، وتلقيه بالقبول، وإنما دعاهم إلى ذلك فتور الهمم، وقصد سرعة الترقي والانفراد...(16)

فإن كان ابتكار طريقة الجمع لحاجة الناس إلى سرعة العرض، وتوفير الوقت، فإن هذه الحاجة غير موجودة في مصحف يراد له أن يكون حافظًا لقراءات القرآن، فإن الجمع بِهذه الطريقة تكون وجوه القراءات فيها مدرجة متتابعة، لا يستطيع تمييزها إلا قارئ ماهر متقن، فلا شك أن جدواها عند عوام المسلمين قليلة.

والمشروع فيما عدا ذلك عظيم النفع في الناحية العلمية والتدريسية، ففيه التدريب العملي لدارسي القراءات، مع ما فيه من التوجيه للقارئ، والتطبيق العملي للأحكام التي يعسر على القارئ تعلمها دون سماع، من الفتح والإمالة، والتفخيم والترقيق، والإشمام والروم وغير ذلك.

(1) اختصت مدينة الرَّسُول r بأن لَها أسماء عديدة، وأشهرها المدينة، فإذا أطلق انصرف إليها دون غيرها، ومن ذلك قوله تعالى: } ما كان لأهل المدينة .. { من الآية 120 من سورة التوبة، واشتهر وصفها بالمدينة النبوية عند كثير من السلف، كسعيد بن المسيب، ومن المتأخرين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلي بن عبد الله السمهودي مؤرخ المدينة، أما وصفها بالمنورة الذي اشتهر بين الناس اليوم فأغلب الظن أنه من صنع متأخري الأتراك، ومعناه صحيح، إن أريد به أنه نورت بنور النبوة والوحي، ولكن وصفها بالنبوية أجل وأوضح معنىً، لأن النبوة أهم اعتبار شرفت به المدينة. انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية ص 22-24.

(2) انظر دليل كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية - بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية للعام الدراسي 1404هـ - 1405هـ ص 32-33، ومجلة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية- العدد الأول ص 372.

(3) هي القصيدة اللامية، المسماة بِحرز الأماني ووجه التهاني، من نظم الإمام العلامة ولي الله أبي القاسم بن فيره بن خلف الرعيني الأندلسي الشاطبي الضرير، المتوفي بالقاهرة سنة 590هـ. وهي من عيون الشعر، مع جمعها القراءات السبع المتواترة، على ما في كتاب التيسير للإمام أبي عمرو الداني، وقد سارت بِها الركبان وتلقاها العلماء في سائر الأعصار والأمصار بالقبول. النشر في القراءات العشر (1/61).

(4) الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية، قصيدة لامية على وزن وقافية الشاطبية، نظم فيها الإمام ابن الجزري مضمن كتاب تحبير التيسير في القراءات الثلاث المكملة للعشرة، وهو كتاب جمع فيه ابن الجزري القراءات الثلاث على الوجه الذي جمع عليه الإمام الداني القراءات السبع في التيسير، وسَماه تحبير التيسير فكأنه زيَّن التيسير حيث كمله بالثلاث لتتم القراءات العشر، وطريقه وطريق التيسير واحد، فلذا تعارف علماء القراءات على تسمية القراءات العشر من هذا الطريق بالعشر الصغرى، وهو ما يعنونه بِمضن الشاطبية والدرة، إذ طرقها أقل بكثير من طرق طيبة النشر التي تجاوزت الألف طريق. انظر شرح الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية للنويري (1/142).

(5) طيبة النشر في القراءات العشر، نظم فيها الإمام ابن الجزري ما جمعه في كتابه العظيم: النشر في القراءات العشر، وهو أوسع الكتب التي جمعت طرق الرواية الثابتة للقرآن الكريم بقراءاته العشر، وقد ضمنه صاحبه أكثر من ألف طريق، ولذا تعارف علماء القراءات على تسمية القراءات العشر من طريق الطيبة بالعشر الكبرى. انظر النشر في القراءات العشر (1/190-191).

(6) للقراء في الأخذ بطريقة الجمع مذهبان، أحدهما الجمع بالحرف، وهو أن يشرع القارئ في القراءة، فإذا مرَّ بكلمة فيها خلافٌ أعاد تلك الكلمة بِمفردها، حتى يستوفي ما فيها من الخلاف، وهو مذهب المصريين، وهو أوثق في استيفاء أوجه الخلاف، وأسهل في الأخذ، وأخصر، ولكنه يخرج القراءة عن رونقها، والثاني هو هذا، وهو الجمع بالوقف، وهو أشد في الاستحضار، ولا يذهب رونق القراءة. انظر النشر في القراءات العشر (2/201)، وغيث النفع في القراءات السبع بِهامش سراج القارئ ص 29-30.

(7) النشر في القراءات العشر (2/201).

(8) وقد شارك في التسجيلات عدد كبير من الطلاب بالفعل.

(9) يلاحظ اختلاف مدة تسجيل سورة البقرة بين التسجيل التجريبي، والتسجيل النهائي، والتفاوت سببه طول الشروح التي يقوم بِها الأساتذة أو قصرها، أما مدة التلاوة الحقيقية فلا تحتمل مثل هذا التفاوت.

(10) مجلة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية- العدد الأول ص 372.

(11) وما زال هذا البرنامج يذاع إلى الآن، ويقوم فيه الطالب بالقراءة، ويسأله الشيخ المقرئ عن الأوجه التي قرأ بِها، ويقوم بشرح بعض الأمور الخاصة بتلك الأوجه، فهو برنامج تعليمي، يستفيد منه طلاب القراءات وغيرهم. انظر دليل كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية - بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية للعام الدراسي 1404هـ - 1405هـ ص 32.

(12) وهي سنة 1413هـ الموافق 1993م.

(13) انظر مبحث: منهج عثمان في جمع المصاحف، المبحث الأول من الفصل الثالث من الباب الثالث.

(14) الجامع لشعب الإيمان للبيقهي (4/487).

(15) النشر في القراءات العشر (2/194)، وغيث النفع في القراءات السبع بِهامش سراج القارئ ص 29-30.

(16) النشر في القراءات العشر (2/195).


الصفحة الأولى

قائمة المحتويات

البحث في جمع القرآن

مقدمة البحث

تمهيد : الجمع لغة وشرعًا

الباب الأول: جمع القرآن في العصر النبوي

الباب الثاني: جمع القرآن في عصر أبي بكر

الباب االثالث: جمع القرآن في عصر عثمان

الباب االرابع: جمع القرآن والأحرف السبعة

الباب الخامس: الجمع الصوتي للقرآن الكريم

الخاتمة: خلاصة البحث ونتائجه



السابق أعلى